ــالنشرةتقارير

حلم بن سلمان إلى العرش.. دونه عقبات

مرآة الجزيرة

يدأب محمد بن سلمان منذ العام 2015، تاريخ توليه وزارة الدفاع وتبنيه خيار الحرب على اليمن المستمرة، على رفد مشروعه بالسياسات التي تدنيه من الوصول إلى سدة الحكم في أقصر وقت ممكن. وباعتبار أن بن سلمان يفضل عدم الانتظار إلى حين وفاة والده فنجده يسعى إلى الوصلِ مع بايدن بغية تمرير صعوده إلى الحكم بشكل آمن.

لكن إمكانيّة تعثّر مشروعه، أو إمكانيّة تقصير فترة حكمه، لو وصل إلى العرش، واردة بسبب الأساليب العنفيّة التي اتبعها وكلفة الوصول. لم يكن محمد بن سلمان هو أوّل حاكم سعودي يرتكب جرائم أو يقتل معارضين، حتماً لا. النظام السعودي متمرّس في فن تعذيب وقتل المعارضين، ومطاردتهم في بلدان أخرى. لكنّ محمد بن سلمان غيّر كثيراً في طبيعة الحكم في ” السعودية “.

يعلم بن سلمان بضرورة التزكية الأميركية لاسمه، ولذلك راهن على انتخاب ترامب لفترة رئاسية ثانية واعتلائه عرش “المملكة” حتى لو اقتضى الأمر إعلان “السلام” مع الكيان الصهيوني. اليوم ما يمنعه من تبني “السلام” هو عدم ضمانة أنه هذه الخطوة ستوصله وأن بايدن إلى الآن لا يتوانى عن تحجيمه وإذلاله عبر التجاهل.

 يقول بن هبِرد، مراسل «نيويورك تايمز» في بيروت في كتابه عن بن سلمان، إن الرجل يضع والدته تحت الإقامة الجبريّة ويمنع والده من رؤيتها. هذه سمات حاكم خائف، والحاكم الخائف يتعثر ويرتكب الكثير من الأخطاء (وهي باتت أكثر من أن تُحصى). من المنطقي الافتراض أن “الملك” السعودي هو تحت المراقبة المستمرّة من قبل وليّ العهد، بعد أن وضع أفراد حاشية جدداً حوله، وهم يدينون بالولاء المطلق له، لا لأبيه. ومحمد بن سلمان بات قليل التجوال، في المنطقة وفي العالم، لأسباب عديدة لكنّ الخوف من مفاجآت أو انقلابات هو منها.

وبالحديث عن الانقلاب كاحتمال وارد، فإن صعود محمد بن سلمان السريع إلى العرش وخرقه للتقاليد والأعراف ولد لديه الكثير من الناقمين في الداخل، فلم يكن عزل محمد بن نايف عن ولاية العهد، وهو رجل واشنطن الأول في الرياض والمقرب من العديد من صناع القرار والمؤسسات الاستخبارية فيها، بالأمر “المبلوع” بالنسبة للإدارة الحالية، وإذ ربط العديد من المراقبين إطلالة سعد الجبري الأخيرة في مقابلة تلفزيونية أنها رسالة أميركية هدفها ايعاز بن سلمان بضرورة التوقف عن الاستفزاز بدلا من الكشف عن ارتكاباته في الإعلام الغربي وزيادة أوراق سقوطه. وإذ كان حريّاً بإعلام الغرب أن يغطّي أخباراً لمعارضين سعوديّين وسعوديّات ممن لم يفنوا سنوات ــ مثل خاشقجي والجابري ــ في خدمة النظام السعودي وأمرائه.

إلى ذلك، رشح مؤخرا اتهام جو بايدن “للسعودية” بمسؤوليتها عن ارتفاع أسعار النفط، وقيامه بالتواصل مع عدد من كبار الدول المستوردة لدفعها إلى الاستهلاك من الاحتياطي، وذلك بغية خفض الطلب والدفع باتجاه انخفاض الأسعار. إن ارتفاع أسعار النفط مسؤول عن حالة التضخّم التي أصابت الاقتصاد الأميركي، وأثّرت سلباً على شعبية جو بايدن. صحيح أن بايدن نكث وعده بمعاقبة محمد بن سلمان، لا بل هو عزّز العلاقة بين الإدارة الأميركيّة والنظام السعودي، وها هو يعلن عن صفقة سلاح جديدة. وصفقات السلاح هي من أسهل الطرق لوصول مُستبدّي النفط والغاز إلى قلب أي إدارة أميركيّة.

إن تغييب المنافسة بين آل سعود، يعود إلى عملية قسرية حيث استهدف أفرادا مرموقين في العائلة (بمعايير العائلة) لإبعادهم عن المنافسة، وتمثل جزء من تحقيق الهدف بكتابة سيناريو الريتز الكارلتون والترويج له بصفته إجراء يستهدف رزمة من الفاسدين، ولكنه في الحقيقة دأب على إسقاط أوراقهم الداخلية والاستحواذ على ثرواتهم، الأمر الذي يشكل عاملا في إغضاب فئة داخلية وازنة.

ويضاف إلى الفئة الساخطة أيضا رجال الدين التقليديّين المتمرّسين في العقيدة الوهّابية والذين يرون في “إصلاحات” محمد بن سلمان حياداً عن الدين الحنيف (عند دعاة الوهابيّة، ليس هناك من عقيدة أو مذاهب إسلاميّة، بل هناك الدين الحقيقي وهو، طبعاً، الوهّابيّة لا غيرها). كل هذا اللوبي الداخلي يريد الانقضاض على محمد بن سلمان متى أتيحت له الفرصة، ولأسباب متنوّعة. رجال الأعمال وأولاد العموم قد يفضّلون الابتعاد عن التزمّت الاجتماعي الذي كان سائداً، لكن رجال الدين يفضّلون العودة إلى ما كان يُدرَّس على أنه الإسلام الحقيقي بلا بدع. لكن هل تتفق كل هذه الأجنحة المستاءة للإطاحة بالحاكم؟

السؤال أعلاه، يمثل الجوهر الأساسي لقيام أي حركة داخلية رافضة لبن سلمان، فلكل جناح داعميه ومؤيديه ومن يرفده بالمال أيضا، فإذا ما التقوا على إطاحة بن سلمان، يأتي سؤال ماذا بعد؟، وإذا ما دعمت واشنطن بشخص رئيسها هذا المنحى فهل من ضمانات عن آليات الحكم.

في مطلق الأحوال، إن عقبات ما بعد بن سلمان ليست بأقل مما هي الحال عليه، الأمر الذي يدخل في حسابات الإدارة الأميركية ويدفعها للتروي وعدم خلط الأوراق، في وقت تتزاحم فيه الملفات الداخلية قبيل موعد الانتخابات النصفية للكونجرس الأميركي، وكل ما يشاع وتسجله استطلاعات الرأي من حظوظ الجمهوريين لاستعادة الأغلبية، الأمر الذي يعني تعطيل العديد من السياسات التي يعتزم بايدن على تحقيقها قبيل نهاية ولايته الرئاسية، كما واحتمالات ترشيحه للمرة الثانية.

يتعاطى جو بايدن مع محمد بن سلمان بوصفه أمرا واقعا، فهو بطبيعة الحال غير مهتم بالملف الحقوقي في “السعودية”، وإن كان لا يمل من تكرار مواقفه المنددة بالواقع الحقوقي، إلا أنه يرتكز عليها كشماعة لأجل تبرير موقفه منه.

لمتابعتنا على وسائل التواصل الاجتماعي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى